بسطام الشيباني – رئيس فرع الجمعية بمحافظة تعز للجمهورية
للمطـاعم أهمية بالغة لا أحـد ينكرها، كما لا أحـد ينكر أن لها مخاطر تفـوق الوصف، وما تأكـد لنا أنها صارت تبيـع سمـوماً قد تـؤدي إلى المـوت، وفي ظـل «ضعف الرقابة المعنية، وغياب الرقابة الذاتية» زادت سخونتها كقضية أقلقـت وبهـذلت الجميـع.. ضحايـاها كـل في ازدياد؛ وإن كان «الاضطرار قد ساقهم إليها، أو عـزومة مـا، أو واقـع مُعـاش صبـغ الـزمـان روتينـه» إلى ما هنالك من الأسباب التي تفرض نفسها وبقوة.. إلا أن لسان حالهم ما زال يستجدي «الضمير» قبل «الرقيب» فهل من مجيب..؟!!
خط سريع
هل هذه المطاعم تقدم سموماً لمرتـاديهـا ؟!، سؤال طرحناه على عديد مواطنين، لتأتي إجاباتهم طرية، تحكي في تفاصيلها معـاناة تتكرر على الـدوام، وشكوى وتذمراً.. سواء من تلك المطاعم الرابضة في قلب المدن، أو تلك المنتشرة في الخطوط السريعة التي تصل بين المحافظات وتعج بالمسافرين، والأسوأ أن هذه الأخيرة بعيدة كل البعد عن عيون الجهات الرقابية المختصة، كما أنها بعيدة عن الذمة والضمير..
– رياض قاسم “موظف حكومي” وهو بحكم عمله كثير السفر والترحال، أكد لنا إصابته بحالات تسمم كثـيرة؛ أرجـع الأطباء الـذين عاينوه أسبابهـا إلى تلك الأكـلات الملـوثة التي سبق وتناولها في تلك المطاعم.
النار تقتـل كل شيء!
وقد كانت «السلتـة والسحـاوق مع الزبادي والـرز والدجاج» من أكثر الأكلات التي يتناولها رياض، وله في هذا التناول قصـة طريفة مع «السلتـة»؛ فقـد بادر في أحـد الأيام إلى انتقاد أحد طباخيها الذي كان يتصبب أثناء إعدادها عـرقـاً كثيـراً تساقط فوق مكونـاتها؛ كمـا أن يده وأظـافره مليئة بالأوسـاخ.
– يقول رياض: لم أكد أنتهي من انتقـادي حتى بـادرني على الفور: «كُل أنت وما تركزش والنار تقتل كل شيء».
الطلاب ضحـايـا
– الطلاب بكافة مستوياتهم هم الأكثر تضرراً من هذه المعضلة، وتبقى ساحات مدارسهم مرتعاً خصباً لبائعي الأطعمة المتجولين، وكذلك “المستقرون” من أصحاب المطاعم والبوفيات المجاورة.
فوزية أحمـد ناصر “وكيـلة مـدرسة النهضة للبنات” أبـدت قلقها واعترفت بوجود حالات تسمم كثيرة طالت العديد من الطلاب والطالبات خاصة صغار السن منهم؛ وأضافت أن دورهم في المـدرسة يتمثـل بتـوعية الطـلاب بتجنب الأطعمـة المكشوفـة، كما شكت من الجهات المعنية فـدورها حد وصفها يظـل غائبـاً وليس بالمستوى المطلوب، وشـددت على ضرورة العمل على إيجاد توجه كبير وفعـال من قبل الجهـات الرسميـة المختصة والرقابية والتنفيذية من أجل اليقظة على تنفيذ الاشتراطات ومعـايير السلامـة الغذائية، خاصة وان معظم من يعمل في تلك المطاعم لا يحملـون كروتاً صحيـة تثبت خـلوهم من الأمـراض المعديـة.
– ولفتت أ.فوزية إلى أنه بدون المستوى الفعال والنشط رقابيـاً من مستـوى القانون ستظل بيئة الاستهلاك في بلادنا محفـوفة بالمخاطر، وممـولوهـا يضاعفون النشـاط المنظور وغيـر المنظور من خـلال المتابعة بتـوعية المستهلك، بدءاً من المدرسة وجمعيـات حمـاية المستهلك، وغيـرها من الإمكانيات التـوعوية الأخـرى التي لا يغفل أحد دورها، والأهم من كل ذلك حد وصفها الاستجابة.
خطر من أول خطـوة
يؤكد صلاح سلطان “خريج جامعي” أن أغلب المطـاعم الشعبيـة متـواجدة في أمـاكن ضيقة ومزدحمـة؛ بل تنعـدم فيها التهـوية الجيـدة، وأغلبها دكـاكين مهجـورة شكلها يوحي بالخطر من أول خطـوة، وهي أشبه ما تكون ببيـوت الصفيـح.
– كما ركز صلاح في حديثه على قضية الأواني التي تُقـدم بها الأطعمـة، خاصة «السلتـة» فأغلبها حسب قوله أدوات متهالكـة، بعضها مشدود بأسلاك حـديدية، كما أنها لا تخلو مـن الكسـور والتشققات التي لا تخلو أيضاً من بقايا فضلات لأطعمـة سابقـة.
عُذر المياه
عبدالله الشميري “يمتلك بوفية في بير باشا من مدينة تعز” أكـد لنا اهتمامه بنظافة بوفيته باستمرار، واختياره لعمال وطباخ «نِظاف»، ولم يشتك أحد زبائنه مما يقدمه من أطعمة ومشروبات، والنظافة حد تعبيره شرط رئيسي للحفاظ على سمعة المحل.
– وحسب الشميري فإن «نظافته» تلك تكلفه الشيء الكثير، فأزمة المياه من سيئ إلى أسوأ، وهي بطبيعة الحال لا تستثني أحداً، كما أن أسعار الوايتات في ارتفاع دائم، الشميري في آخر حديثه قال: إن تلك المشكلة قد تكون السبب بأن يقلل زملاؤه من أصحاب المطاعم والبوفيات من نظافة المحلات والأطعمة.
– لم يكد ينهي الشميري حديثه حتى تدخل أحد زبائن بوفيته قائلاً: «المحافظات الأخرى لا تشكو من أزمة مياه ومشكلتنا في المطاعم والبوفيات هي مشكلتهم..!» صمت الشميري «هنيهة» وبعـد ذلك هـز رأسه وأردف «كلامك صحيح»..!
ديكور خـادع
النظافة شرط مهم كما أنها من الإيمـان، ومن أكبر الضروريات تـوفرها في المطـاعم، ابتداء بالعامـل وانتهاء بالأواني والمكان والمادة المقدمة..
– بهذه الكلمـات النظيفـة ابتدأ رشاد الجنيد حديثـه مستغـرباً في الوقت ذاته من تلك المطاعم أو البوفيـات والمتنزهات التي تبالـغ اهتمامها بالديكـورات دون الأشيـاء الأخـرى.. «رشاد» سمى ذلك بالخداع؛ وقال إن أغلب من يرتادون أمثال تلك المطاعم يدفعـون ضريبة باهظة، ولأن تحضير الطعام يتم بشكل سريـع؛ فليس هناك وقت لمـراقبة الجـودة ونظـافة المـواد والأدوات المستخدمـة في الطهي، ودلل رشاد آخر حديثه بالمثل المصري الدارج «من برا الله الله ومن جوا يعلم الله».
من غشنا فليس منا
– ما إن سألت الحاج قاسم مهيـوب من سكنة حارة «الشماسي» حتى بـادرني ورذاذ القات يتطاير من فمـه «ما معـاكم إلا المطاعم.. كل شيء نخـدع فيـه؛ والبـاعة والتجـار يخـدعوك بلمـح البصـر».
– وملخص حديث الحاج قاسم ركز على أننا نعيش في زمـن خيمت عليـه أزمة ضمـائر حقيقيـة، تجـاوزت تعاليم ديننـا الإسلامي الحنيف، وأصبح الشيطـان هو المسيطـر على أولئك المخادعيـن، وكل يوم يـأتـون بـوسائل جـديـدة.
كما ذكرنا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: «من غشنا فليس منا» وأولئك الغشاشـون بعيـدون كل البعـد عن تعاليم ديننـا الإسلامي، ولـو تفحصـنـا الحديث الشريف جيـداً لوجدنا أنهم بعيدون عن الإسلام ذاتـه.. «اليوم اشتري الخبز وطعمه ديزل.. والخضرة من السوق أغلبها فاسدة.. واللحمة من عند الجزار كلها عظام.. أما هذه المطاعم كم لي ما أدخلهاش».
نـار جهنم أشـد
– كلام الحاج السابق حديث عـام، وهذا التحقيق جـزء من ذلك الكـل.. وهنا يقول الشيخ علي القاضي الذي أكد الكلام السابق وزاد عليه: يجب على كل مواطن ان يلتزم الفطـرة السليمة التي وضعهـا الله سبحانه وتعالى فيـه، ولو أن كـل مواطن أحس بـأن الله سبحانه وتعـالى يراقبه مـا غش وخـدع وما أخطأ في حـق الآخـرين، وقضيـة المطـاعم التي لا تلتـزم بمعاييـر إعـداد الأطعمـة الصحية والجيـدة فليعلم المسئولون عنها أن نـار جهنـم أشـد وأنكى.
مخاطر عـديدة
الأطبـاء وأهـل الاختصاص عندهم الشيء الكثير من المعلومات التي يجهلهـا العوام، وهي بمجملها تبين عظيم خطر لسموم بطيئة تباع على مرأى ومسمع من الكل.. الدكتور/ رضوان محمد «طب عام» قال بأن قلة النظافة وعدم نضوج بعض الأطعمة يؤدي إلى الإصابة بالديدان الكبدية، كما أن التسمم الغذائي قد يؤدي إلى الإصابـة بالديدان المعـوية والتهابات المعـدة، والتلوث الغذائي بدوره يسبب اسهالات حـادة أو المغص والغثيان.
– ويضيف: إن حالات التسمم الغذائي تحـدث نتيجة لما يختلط بالغـذاء من جراثيم وميكـروبات تفرز فيه سمومهـا، وهناك أنواع مختلفة للتسمم منها: «التسمم بالمكـورات العنقـودية» وهذه تسبب الإسهال والتقيؤ وتظهر هذه الأعراض بعد 4-2 ساعات من تناول الطعام أو الشراب الملوث، وأيضاً «التسمم بالسالمـونيـلا» وهذا مرض معد واسع الانتشار تظهر أعراضه بعـد حوالي 20-21 ساعة، وتستمر فترة انتقال العدوى طـول فترة المرض من 3 أيام إلى 3 أسابيع، أما فترة حمل الميكروب تستمر في الشخص المصاب إلى عـدة أشهر.
وهناك التسمم «البـوتيليني» وهو نـوع نادر وخطير ويؤدي للوفاة بنسبة 65 % ، أعـراض هذا التسمم تظهر بعد مدة تتراوح بين 42-21 ساعـة من تناول الطعام والشراب الملوث، وظهـورها مفاجئ مثل الغثيان وصعوبة شديدة في الكلام والبلـع، وفي بعض الحالات يمـكن أن تؤدي إلى انقطاع التنفس والموت المفاجئ.
ويبين الدكتور رضوان أن القلي بالزيت لأكثـر من مرة قـد يؤدي إلى تكوين مـواد مؤكسدة تؤثر بدورها على الكبـد؛ وختم الدكتور بشر حديثه: بأن حالات التسمم الغذائي التي تصل إلى المستشفيات بالمتوسط من 4-2 حالات يومياً، إضافة إلى أنه توجد حالات فردية، تم تسجيلها بسبب إهمال الأسر في حفـظ المواد الغـذائية وكيفية التعامل معها بشكل جيـد.
أعذار واهـيـة
– ما هو معروف ومتـداول أن هناك لجانـاً ميدانية مساهمـة «بصحة البيئـة» وهي تـابعة لـوزارة الأشغال، وتتلخص مهامها بالمراقبة الدائمة لتلك المطاعم والبـوفيات، وضبـط المخالفين، «أحمد .م.س ـ صاحب مطعم» أبهرني بجرأته العفوية في فضح أعضـاء تلك اللجان، “المهم” دخلت ذلك المطعم وهو في حالة يرثى لها من الفوضى والقـذارة خاصة الأرضيـة والكـراسي والجـدران والأواني، أمـا المطبـخ فظـلام دامس، واجهـت صـاحب المطعم بانتقـاداتي اللاذعة فكـانت أعـذاره واهيـة.
– الأهـم، سألتـه: أين أنت من لجان صحة البيئة ؟.. ضحـك قليلاً ثـم أردف: «هم يـأتون دائماً بعضهم مبتزون؛ وبعضهم طيبون؛ تغديه وتعطيه حق القات ويمشي بهدوء!»، قاطعته: والمبتزون؟ فأجاب: «ما يقنعوش بالقليل»!!
توعية ونزول ميداني
قال بسطـام الشيبـاني «رئيس فرع جمعية حماية المستهلك بتعز»: إن الجمعية قامت بفعاليات عديدة لم تقتصر فقط على توعية المستهلكين بأهمية توخي الحذر عند استهلاك الأطعمة والسلع الغذائية والمشروبات، فقد أصدرت الجمعية العديد من النشرات والبروشورات والأدلة الإرشادية التي تهدف إلى تعزيز وعي المستهلك، ومـازالت تـولي هـذا الأمـر جـل الاهتمـام والتي من شأنها الحـاق الضرر بالمستهلك في بـلادنا، وطلب من الوسائل الإعلامية التعاون في نشر تلك النصائح المهمة حتى تصل إلى كل بيت.
– بسطام في آخر حديثه نبه إلى ضرورة تعاون المواطنين في هذا الجانب، مؤكداً في الوقت ذاته أن عملهم خاضع أيضاً للنـزول الميداني فهم جهة رقابية على الجهات المختصة، وقال: أثناء النزول الميداني وجدنا «العجب العجاب»؛ وهناك مطاعم غير صالحة حتى للاستخدام الحيواني؛ وقـد رفعنا بذلك تقارير مفصلة إلى مكتب صحة البيئة بالمحافظـة، التي تتولى معاقبة وردع المخالفين وفق المعايير القـانونية المتعـارفـة.
وجبة أخيرة
قد يتشاءم القـارئ ويصوم كـرها عن كـل المطاعم حال قراءته لهـذا التحقيق، ومـا أريد أن أنبه إليـه «أن الأصابـع لا تتسـاوى»، وكمـا أن هناك الغث يوجد أيضاً السمين، والمطـاعم الجيـدة يـدرك المواطن الحقيقي كنههـا مـن أول نظرة، والمهم هو أخذ الحيطـة والحـذر..
الجمهورية نت..
الجمعية اليمنية لحماية المستهلك الجمعية اليمنية لحماية المستهلك